*ناشطون فلسطينيون يصنعون السعادة*

المصدر: موقع المدن
احمد الحاج علي

لينا محمد خضراوي، طفلة تسكن مخيم البداوي، شمال لبنان. كانت على مشارف الدخول في عامها الثاني، عندما تفاقمت أزمتها الصحية، القلب مُصاب في شريانه التاجيّ، وتكلفة العملية تزيد عن 17 مليون ليرة لبنانية. هي طفلة لأب يعمل في مهنة الدهان، بالكاد يستطيع تأمين المسكن والمأكل لأبنائه.

خمسة شبان، لم يتجاوزوا العقد الثالث من عمرهم، متنوّعو الانتماءات السياسية، كانوا قد أنشأوا حديثاً صفحة "شبكة أخبار مخيم البداوي"، أخذوا على عاتقهم محاولة جمع المال اللازم لإجراء العملية. نظموا حملة أسموها "من أجل لينا". وضعوا الإعلانات في الشبكة التي تضم أكثر من 26 ألف متصفح.

تفاعل المتابعون. التبرعات أخذت تأتي من سكان المخيم، ومن أهله المغتربين. لم يكتفِ هؤلاء الشبان بالجلوس خلف الكيبورد لتحقيق هدفهم، نزلوا إلى أزقة المخيم. نادوا بمكبرات الصوت. توجهوا إلى الأماكن العامة والتجمعات. كانت حصيلة اليوم الأول 5 ملايين ليرة.

يصف رئيس العلاقات في الشبكة أحمد ديوان تلك اللحظات بأنها الأكثر سعادة في حياته. أصبح هناك أمل ما للينا التي تنتظر. ثلاثة أيام كانت كافية لجمع المبلغ كاملاً، لتتوجّه بعدها لينا برفقة أهلها إلى مستشفى غسان حمود في صيدا، لإجراء عملية سمحت لها أن تلهو مرة أخرى مع رفاقها.

في العام 2013، اشتعلت المعارك بين باب التبانة وجبل محسن، الملاصق لمخيم البداوي. كل طرف يحاول استمالة سكان المخيم. ويقول ديوان إن "هذه الأوضاع دفعتنا، نحن الأصدقاء الخمسة، إلى تأسيس الشبكة، لتكون عين الأهالي، ولتؤكد حياد المخيم". يضيف: "لكن الوضع الاجتماعي حملنا نحو عرض حالات إنسانية، استطعنا جمع التبرعات لمصلحتها".

برج البراجنة
من مخيم برج البراجنة، في الضاحية الجنوبية لبيروت، هاجر نادر عبدالمجيد، منتصف الثمانينيات إلى الدنمارك. دفعه حنينه، كما يقول، إلى إنشاء مجموعة أسماها "ذكريات شباب البرج". هدفت بداية إلى عرض صور قديمة للمخيم وساكنيه. التفاعل كان كبيراً، سواء من السكان المحليين أو المغتربين. فبدأ عبدالمجيد البحث عن مشروع يستثمر هذا التفاعل. استقرّ الرأي على جمع التبرعات لمستشفى حيفا في المخيم.

أيام قليلة كانت الحصيلة جمع 28 ألف دولار. فاشتروا جهاز فحص الجلطات القلبية، أصلح المصعد المعطل، تم تأمين غرفة تعقيم. وبعدها كان تجهيز غرفة العمليات. ازدادت أعداد المتصفحين حتى تجاوزت 10 آلاف متصفح. ومعها تزايد عدد المشرفين، وتنوعت انتماءاتهم السياسية، وتعددت مشاربهم الفصائلية. كانت الحاجة إلى مأسسة هذا العمل الخيري، فأسس المشرفون "جمعية أمان" في العام نفسه لتأسيس المجموعة؛ عام 2013.

مشاريع عديدة جُمع لها المال من خلال المجموعة: توزيع عشرات إسطوانات الإطفاء على كل حارات المخيم، توزيع إسطوانات أوكسجين، عربات مدولبة، أكثر من 500 نظارة طبية، كفالة أيتام. وبعد أقل من عامين كان شراء مركز للجمعية بـ60 ألف دولار.

الحصالات التي كانت تُوزع على المغتربين من خلال المجموعة، أصبحت ذات أثر في إطلاق مشروعات كثيرة أبرزها رعاية الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وتعليمهم بعض المهن. وإقامة معرض لأعمالهم كل عام، إضافة إلى الوجبات الغذائية في رمضان والتي بلغت 3800 وجبة هذا العام.

"المشاكل الحياتية اليومية لسكان المخيم لم تنسنا دعم المحتاجين الآخرين"، كما يقول أحد مؤسسي "جمعية أمان" حسين سعادة. فكان جمع الأموال لمصلحة قطاع غزة أثناء العدوان في العام 2014، كذلك دعم اللاجئين السوريين في مخيم عين الحلوة.

ويشير زميله ثائر دبدوب إلى تقديم أربعة أجهزة غسيل كلى حديثة إلى مستشفى الهمشري في مدينة صيدا، التابع لجمعية الهلال الأحمر الفلسطيني. كلفة كل جهاز نحو 70 ألف دولار. ويعد دبدوب بمزيد من المشاريع في المرحلة المقبلة، والتي ستستهدف، بشكل خاص، التنمية البشرية.

عين الحلوة
في أيار 2011، كان الفلسطينيون في لبنان يتحضرون للذهاب إلى الحدود اللبنانية الفلسطينية، في ذكرى النكبة. أطلق شبان متنوعو الانتماءات صفحة "عاصمة الشتات عين الحلوة"، بهدف الدعوة والحشد. كثر متصفحو هذه الصفحة حتى قارب عددهم 69 ألفاً. حالات إنسانية كثيرة جُمع لها المال من خلال الصفحة، التي تُعد مرجعاً لأهالي مخيم عين الحلوة.

الحالة الأبرز هي حالة دياب أحمد. شاب من مخيم الرشيدية، كان يمارس هواية السباحة عندما تعرّض لحادثة، أدت إلى إصابته بالشلل وهو في العشرين من عمره. قامت حملة في العام 2012، شاركت صفحة "عاصمة الشتات عين الحلوة" بجمع مبالغ من تكلفة العملية التي قاربت 50 ألف دولار. سافر دياب إلى أوكرانيا، حيث أجرى عملية زرع النخاع الشوكي. عاد بعد فترة من العلاج، تحسّنت حالته كثيراً. وهو اليوم متزوّج، ويسكن مخيم الرشيدية.

يقول مدير الصفحة محمود عطايا، إنه "رغم الحالات الكثيرة التي جمعنا لها المال، إلا أن ذلك يجب أن لا يسقط عن بالنا ولا من نضالنا الواجبات الأساسية للأونروا والفصائل الفلسطينية والدولة اللبنانية. ولا يمكن، مهما بلغت قدرتنا، أن نكون بديلاً اجتماعياً من الجهات المذكورة".